قصة القاضي العلامة عياض رحمه الله وقتله برماح (محنته وقتله) الحلقة الاخيرة ( ٥)

✏ قصة مقتل العلامة القاضي عياض

(القصة كاملة لمقتله وتفاصيل الغزو من دولة الموحدين )

( ٥ ) الإخيرة

محنته:

وُلد القاضي عياض كما ذكرنا سنة 476 بسبتة، التي كانت وقتها تحت حكم دولة المرابطين العظيمة، وهذه الدولة كانت من أعظم الدول الإسلامية التي ظهرت في بلاد المغرب عبر عصورها جميعًا، فلقد كانت دولة مجاهدة من الطراز الأول، حققت في هذا المضمار الكثير من الفتوحات والإنجازات الخالدة، وكان لها الفضل في نشر الإسلام في غرب ووسط القارة الإفريقية، حتى إن راياتها الميمونة قد وصلت إلى منتهى نهر النيجر، وبلاد الكاميرون، وقلب نيجيريا، كما أنها كانت دولة بدوية ساذجة، غير متلوثة بأسباب الترف المهلك، والأهم من ذلك كله أنها كانت دولة سلفية المنهج والعقيدة، لا تعرف الطرق الكلامية، والمذاهب البدعية إلى أهلها سبيلا، وكان قادة وسلاطين وأمراء تلك الدولة يعظمون العلماء والفقهاء ويجلونهم، وما سقطت هذه الدولة العظيمة إلا عندما تسلل الترف والفساد إلى جنباتها.

في ظل تلك الدولة المجاهدة السلفية، وُلد ونشأ وترعرع القاضي عياض، وفي ظلها أيضًا تعلم وتمهر، وتقدم في شتى العلوم، وفي ظلها أيضًا صار القاضي عياض من أعلام العلماء، وكبار القضاة، ولأن هذه الدولة لم تعمَّر طويلا فإن القاضي عياض قد شاهد هذه الدولة، وفي عنفوان شبابها، وأوج قوتها، وأقصى اتساعها، ثم رآها وهي تندحر شيئًا فشيئًا، وتظهر فيها علامات السقوط: مثل الفساد والترف، ورآها أيضًا وهي تهزم المرة بعد الأخرى أمام جيوش مدعي المهدية ابن تومرت، والملقبين بالموحدين، مما كان يؤذن بأفول شمس هذه الدولة، وخروجها من ساحة الأحداث إلى ثبت الذكريات.

تولى القاضي عياض منصب القضاء سنة 510هـ في مدينته ((سبتة))، وكان في الخامسة والثلاثين، وكانت أولى علامات الفساد بدأت في الظهور في جنبات الدولة المرابطية، وكانت تلك العلامة هي الوساطة والشفاعة لبعض الناس، والمحسوبية لهم على حساب الآخرين؛ فتصدى القاضي عياض لتلك الآفة، وسار في ولايته بمنتهى النزاهة والأمانة، وأبدى حزمًا في تطبيق الحدود والأحكام، واشتهر بين الناس بغزير علمه وحفظه، وصدق طريقته، ودقة فتياه، وحياديته الكاملة، حتى طارت شهرته في كل مكان.

هذه الشهرة بكل خير جعلت أمير المسلمين – وهو لقب المرابطين ((عليٍّ ابن يوسف بن تاشفين)) – يوليه قضاء غرناطة بالأندلس، ليصلح من شأنها، نظرًا لانتشار المفاسد بين أهلها، وكثرة القلاقل والاضطرابات بها، فتولى القاضي عياض قضاء غرناطة في سنة 531هـ، فقام به خير قيام، وأعرض عن الشفاعات والمؤثرات، وردع أرباب الولايات وأتباع السلطان عن الباطل، وعزل كل من ثبتت عدم أهليته وكفايته من منصبه، فشرد كثيرًا من حاشية والي الأندلس ((تاشفين بن علي)) عن أعمالهم ومناصبهم، فاستاء منه الأمير تاشفين بن علي، وضاق به ذرعًا، خاصة والقاضي عياض يرفض رفضًا تامًّا أي تدخل في عمله، وأية محسوبية أو وساطة، حتى ولو كانت من الأمير نفسه، فالقاضي عياض عالم ربانيٌّ، يؤثر الحق ومرضاة الخالق على ما سواهما، كائنًا ما كان، فسعى الأمير تاشفين بن علي عند أبيه أمير المسلمين (( علي بن يوسف))، حتى يصرف القاضي عياض عن منصبه، وبالفعل تم مراده، وعُزل القاضي عياض عن منصبه في رمضان سنة 532هـ.

لم يَفُتُّ هذا العزل في عضد القاضي عياض، ولم ينل من مكانته ولا قدره، فعاد إلى مدينته سبتة، وعكف فيها على التدريس والفتيا ونشر العلم، ثم طلب منه أمير المرابطين ((تاشفين بن علي)) سنة 539هـ أن يلي منصب القضاء في سبتة، وكانت أحوال دوله المرابطين قد تدهورت بشدة، واكتسحت جيوش الموحدين معظم ولاياتها في المغرب؛ فأراد ((تاشفين بن علي)) رجالاً صالحين وأشداء في تلك المناصب الحساسة لوقف تدهور الدولة المرابطية أكثر من ذلك، وسبحان الله: كم لله عز وجل في خلقه من شئون؛ فتاشفين بن علي هو الذي اجتهد أول مرة لعزل القاضي عياض عن منصبه، وهو نفسه الذي اجتهد لإعادته لنفس المنصب، وذلك عندما احتاج لعلمه وزهده ونزاهته.

بلغ الكتاب أجله، وسقطت الدولة المرابطية العظيمة المجاهدة، لما تخلت عن أسباب قوتها وبقائها، وأخلدت إلى الأرض والترف والشهوات، وحلت محلها دولة الموحدين، وتلك الدولة كانت على النقيض من دولة المرابطين، فمؤسسها رجل ادعى المهدية اسمه ((محمد بن تومرت))، وقد ابتدع لهم عقيدة خاصة بأتباعه أسماها ((المرشدة)): هي عبارة عن خليط من آراء المعتزلة والأشاعرة والجهمية، وقرر لهم الكثير من البدع والخرافات وقد سلك ذلك الرجل الدجال وأتباعه مسلك القسوة المفرطة، والوحشية القصوى في التعامل مع المرابطين، وسفكوا دماء مئات الآلاف من المرابطين، واستحيوا نساءهم، وأبادوا مدنًا بأكملها من على وجه الأرض، حتى إن الموحدين قد قتلوا قرابة المليون مسلم من أجل إقامة دولتهم.

عندما رأى القاضي عياض تلك القسوة والوحشية الدموية المفرطة في تعامل الموحدين مع خصومهم، خاف على أهل سبتة من أن يصيبهم مثل ما أصاب أهل مدينة ((سلا)) المغربية، الذين ذبحهم الموحدين عن بكرة أبيهم عندما حاولوا مقاومتهم، ورأى أن من المصلحة أن يدخل هو وأهل سبتة في طاعة الموحدين، حتى تستقر الأمور، ويرى بهدوء وروِيَّةٍ ما يمكن عمله بعد ذلك، وبالفعل دخل القاضي عياض وأهل سبتة في طاعة الموحدين في سنة 540هـ، وأقره الموحدون على منصب القضاء.

أخذ القاضي عياض في تسيير شئون سبتة حسب مقتضيات الشرع والعدل، وهو في نفس الأمر يفكر في كيفية التصرف مع هؤلاء الخوارج المبتدعين الضالين أتباع الدجال (ابن تومرت)، ثم وقت مذبحة ((مراكش)) المهولة، التي لم تعرف بلاد المغرب والإسلام قبلها من نظير؛ وذلك عندما قام الموحدون باقتحام مدينة ((مراكش)) عاصمة المرابطين، وآخر حصونهم، وذبحوا أهلها جميعًا، وكانوا بمئات الآلوف، واسترقوا النساء والأطفال، ثم قاموا بعد ذلك بهدم المدينة بالكلية؛ بدعوى أنها مدينة نجسة، وأهلها مشركون: (كان الموحدون يصفون المرابطين بالمجسمة والمشبهة، كما هي عادة أهل الزيع والضلال في العقيدة مع أهل السنة والجماعة، أتباع عقيدة السلف الصالح).

فهدموا كل شيء، حتى الجوامع والزوايا والمدارس، وجعلوا المدينة قاعًا صفصفًا؛ فأثرت هذه المذبحة البشعة في نفسية القاضي عياض بشدة، أيقن أنه لا سبيل للتعامل مع هؤلاء الضُلال المبتدعة، وأن مصير ((سبتة)) سيكون كمصير ((مراكش)) و((سلا)) و((وهران))، وغيرهم من البلاد والمدن التي رفضت عقيدة ابن تومرت الضالة.

قرر القاضي الاتصال بزعيم المرابطين (يحيى بن غانية)، وكان هو الوحيد الذي بقى من كبار قادة المرابطين، وقد استطاع أن يسيطر على جزر الأندلس الشرقية [ميورقة وأخواتها]؛ فاتصل به القاضي عياض، ونسق معه من أجل القدوم إلى مدينة ((سبتة))، وتسلميها إليه، على أن يعمل يحيى بن غانية على مجاهدة الموحدين، وتحرير مدن المغرب من نيرهم وضلالهم، وبالفعل وافق يحيى بن غانية على ذلك؛ فأعلن أهل سبتة خلع طاعة الموحدين؛ وذلك سنة 543هـ.

سارت الأمور على غير مراد القاضي عياض؛ إذ تخاذل يحيى بن غانية عن القدوم إلى سبتة، في حين أسرع الموحدون إلى حصار المدينة بجيوش كثيفة؛ فخاف القاضي عياض على أهل المدينة من القتل والسبي، فخرج إلى الموحدين بنفسه، وقرر لهم أنه المسئول عما جرى، فحملوه إلى أمير الموحدين عبد المؤمن بن علي وكان وقتها في مراكش، فعفا عنه عبد المؤمن، وصفح عما جرى، ولكنه طلب منه أن يقر بعصمة ابن تومرت ومهديته، ويكتب بذلك كتابًا للآفاق كلها، فعلم القاضي عياض أن الموحدين قد طلبوا منه ذلك الكتاب ليكون حجة لهم، ودليلا على باطلهم، وصك شرعية من أكبر علماء المغرب والأندلس وقتها، وعلم القاضي عياض أن حياته على المحك، وأنه إذا رفض سيقتل ولا بد، وعلم أيضًا أنه لو أذعن وأعطاهم ما يطلبون لضل كثير من الناس، واتبعوا الموحدين في ضلالهم وعقيدتهم المبتدعة، بل وأهدر بكتابه ذلك دماء مئات الألوف من الأبرياء الذين قتلوا ظلمًا وعدوانًا بسيوف الموحدين.

تراءت كل هذه المعطيات والنتائج في عقل القاضي عياض، فقرر التضحية بنفسه، وإيثار مرضاة الله عز وجل وحده، وإيثار الحق والعلم الذي قضى عمره كله يدعو إليه، ويقضي به، وينشره بين الناس، وأعلنها مدوية أمام الموحدين المبتدعين؛ أنه لا عصمة لابن تومرت، ولا مهدية له، وأنه دجال ضال في باب العقائد والأقوال والأفعال، وأن دماء الأبرياء في رقبته، وهو مسؤول عنها يوم القيامة، وذلك يوم 9 جمادى الآخر سنة 544هـ؛ فقام الموحدون بقتله بالرماح حتى قطعوه إربًا، ثم قاموا بجمع أشلائه ودفنوها في مكان مجهول بمراكش، بلا صلاة ولا غسل، كأنه واحد من غير المسلمين، بل وقاموا بعد ذلك بما هو أنكى من ذلك؛ فأقطعوا تلك المنطقة للنصارى؛ فبنوا بجوار قبره كنيسة وبعض الدور.

ولأن الله عز وجل ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فقد عثر على قبر القاضي عياض سنة 712هـ في عهد الدولة المرينية السنية، والتي أسقطت دولة الموحدين الخبيثة، وفرح الناس والعلماء بذلك الأمر بشدة، وأمر القاضي أبو إسحاق بن الصباغ بتسوية ما حول القبر، وإشهاره وإظهاره، واجتمع الناس عنده، وصلوا عليه مرات كثيرة، وختموا القرآن عنده مرات كثيرة، [وهذا الأمر بخلاف السنة]، والخلاصة أن القاضي عياض أعظم حفاظ المغرب والأندلس وعلمائها في عصره، وسر عظمته ليس فقط علمه الغزير، وفضائله الجمة، ولكن ثباته على الحق، ورغبته في إصلاح الأمة، والتصدي للباطل والطغيان، حتى ولو كان ثمن ذلك الثبات هو روحه فرحمه الله عز وجل رحمة واسعة، وأجزل له المثوبة يوم الدين.

المصادر والمراجع:
• سير أعلام النبلاء: (20/ 212).

📝 قصة مقتل الشهيد العلامة القاضي عياض رحمه الله

from هوامير البورصة السعودية http://ift.tt/2sqTUP0
via IFTTT

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s